حبيب الله الهاشمي الخوئي
384
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فاتّقوا اللَّه لأنّ التّقوى ملازمة لقصد المكلَّف العبادة فدلَّت عليه واستغنى بها عن إظهاره . قيل ويجوز انتصابها على الظرفية أي اجعلوا تقواكم في تلك الجهة أي نظرا إلى تلك الجهة لا للرّياء والسمعة ، والحذر بالجرّ عطف على التّنجّز . المعنى اعلم أنّ هذا الفصل مسوق لشرح حال النّاس والكشف عن أوصافهم والتّنبيه على ما خلقوا لأجله وما يصير أمرهم إليه واستدرج ذلك بمواعظ شافية ونصايح وافية ، والمقصود بذلك كلَّه تنبّههم عن نوم الغفلة والجهالة وافاقتهم من سكر الحيرة والضّلالة . فقوله ( عباد مخلوقون اقتدارا ) يعني أنّ النّاس الذين شرحنا حالهم وذكرنا كيفيّة حشرهم ومعادهم هم عباد خلقهم اللَّه سبحانه من قدرته التّامّة الكاملة وحكمته الجامعة البالغة وليس خلقهم لذواتهم ومن اتّصف بذلك لا يجوز له العصيان لخالقه وبارئه . ( ومربوبون اقتسارا ) أي مملوكون من قهر وغلبة وربّاهم اللَّه سبحانه من صغرهم إلى كبرهم لا عن اختيار منهم حتّى يكون لهم الخيرة في معصية ربّهم ومالكهم ( ومقبوضون احتضارا ) أي مقبوضون بالموت محتضرين إلى حضرة ذي العزّة فيجازيهم بالحسنة والسّيئة ( ومضمّنون أجداثا ) أي في قبور هي دار الوحدة والوحشة ( وكائنون رفاتا ) وعظاما فتاتا أي أجزاء شتاتا ( ومبعوثون افرادا ) أي وحدانا لا مال لهم ولا ولد كما فسّر بذلك قوله تعالى : * ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) * .